مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

طيب القول

حياة "منزوعة" البركة!



دقائق تتسرب من بين أيدينا. وساعات تُهدر أمام الشاشات. وأيام تمضي دون أثر. فهل المشكلة في قلة الوقت أم في غياب البركة؟!
ليس أخطر على الإنسان من أن يطول يومه ويقصر إنجازه، وأن تتوالى الساعات بين يديه دون أن تترك في حياته أثرًا صالحًا. فقد يملك أحدنا أربعًا وعشرين ساعة كاملة، ثم ينام في نهايتها وهو يشعر أنه لم يفعل شيئًا يستحق الذكر، بينما كان السلف الصالح يعرفون قيمة اللحظة، ويحرصون على ألا تمر دقيقة من أعمارهم دون نفع.
والحقيقة التي ينبغي أن نتوقف أمامها أن الوقت ليس مجرد ساعات نستهلكها، وإنما هو أعمار تُنقص من رصيدنا كل يوم. ولذلك أقسم تعالى به فقال: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، وكأن السورة القصيرة تضع الإنسان أمام أعظم حقيقة: إن لم يحسن استثمار عمره في الإيمان والعمل الصالح والحق والصبر، فهو في خسارة، مهما امتلك من مال أو جاه أو متاع.
كثيرون يشكون من ضيق الوقت، لكنهم لا يتساءلون عن سبب هذا الضيق. وقد تكون المشكلة في طريقة استخدامنا للوقت أكثر من كونها في عدد الساعات.
فالبركة أن تنجز في القليل ما لا تستطيع إنجازه في الكثير، وأن يضع الله الخير في يومك وعملك وعُمرك. ولذلك كان النبي حريصًا على اغتنام مواسم الطاعة، وحذّر أمته من التفريط في النعم، فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، رواه البخاري.
لعل السؤال الأصعب ليس: كيف نحصل على مزيد من الوقت؟ وإنما: أين يذهب الوقت الذي نملكه بالفعل؟
كم من ساعات تضيع في تصفح الهاتف بلا هدف، التنقل بين مواقع التواصل، متابعة ما لا ينفع، الحديث في أمور لا تقدم في الحياة ولا تؤخر!
والأشد خطورة أن الإنسان قد يعتاد هذا الاستنزاف حتى يصبح التشتت جزءًا من يومه، فلا يستطيع أن يجلس دقائق مع كتاب، أو يتدبر آية، أو يؤدي عملًا بتركيز. وهنا نستحضر قول النبي: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ومن أعظم ما يعيد للوقت بركته أن يرتبط يوم المسلم بالصلاة. فالصلاة ليست عبادة تؤدى على هامش الحياة، وإنما هي التي تعيد ترتيب الحياة نفسها.
فالإسلام دين يعرف قيمة الوقت، ويعلم المسلم أن للحياة نظامًا، وأن النجاح الحقيقي لا يكون بالفوضى والتسويف، وإنما بالانضباط وتحمل المسؤولية.
ومن أخطر ما يسرق البركة من أعمارنا عادة التأجيل: سأصلي غدًا، سأقرأ القرآن عندما أفرغ، سأصل رحمي لاحقًا، سأعتذر عندما تهدأ الأمور، سأبدأ العمل غدًا.
وهكذا يتحول «غدًا» إلى مقبرة لكثير من الأعمال الصالحة.
وقد حذر القرآن من أن يأتي الموت فيجد الإنسان نفسه يطلب مهلة جديدة، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.
إن أخطر كلمة في قاموس العمر هي «سوف». فالخير الذي تستطيع فعله اليوم لا تضمن أن تفعله غدًا.
ولا ينبغي أن نفهم استثمار الوقت على أنه يعني الانقطاع للعبادة وترك مسؤوليات الحياة. فالإسلام جعل العمل النافع عبادة إذا صلحت النية. فالطالب الذي يطلب العلم، والعامل الذي يتقن عمله، والأب الذي يسعى على أسرته، والأم التي تربي أبناءها، والطبيب الذي يداوي المرضى، والصحفي الذي يتحرى الصدق في كلماته؛ كل هؤلاء يستطيعون تحويل أوقاتهم إلى رصيد من الحسنات إذا أخلصوا النية وأحسنوا العمل.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
واستعادة البركة في الوقت تبدأ بقرار صادق: أن نتوقف عن إهدار أعمارنا فيما لا ينفع. نحدد أولوياتنا، ونقلل من المشتتات، ونضع الهاتف في مكانه الصحيح بدل أن نجعله سيدًا على أوقاتنا، ونخصص وقتًا للقرآن، ووقتًا للعمل، ووقتًا للأسرة، ووقتًا للراحة، ونجعل يومنا قائمًا على هدف واضح.
والأهم من ذلك كله أن نراجع علاقتنا بالله؛ فالبركة ليست مهارة إدارية فقط، وإنما فضل من الله يُطلب بالطاعة، والدعاء، وحسن النية، والإحسان إلى الناس، وصلة الرحم. وقد قال النبي: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»، رواه البخاري ومسلم.
إننا لا نحتاج دائمًا إلى يوم إضافي كي نصلح حياتنا؛ ربما نحتاج إلى لحظة صدق نقرر فيها ألا نسمح لما تبقى من أعمارنا أن يضيع كما ضاع ما مضى. فالذي مضى انتهى، ولا نملك استعادته، لكننا نملك هذه اللحظة، ونملك أن نجعلها بداية جديدة. والعمر في النهاية ليس عدد السنوات التي عاشها الإنسان، وإنما مقدار الأثر الذي تركه فيها. فكم من إنسان عاش سنوات طويلة ولم يترك وراءه إلا الذكرى، وكم من إنسان قصرت حياته، لكن أعماله بقيت تنير الطريق بعد رحيله.
ولهذا، فلنسأل أنفسنا كل ليلة قبل أن ننام: ماذا قدمت اليوم؟ وماذا سيبقى من هذا اليوم عندما يصبح جزءًا من الماضي؟
فالوقت يمضي بلا استئذان، والعمر ينقص في كل نفس، والفرصة التي بين أيدينا الآن قد لا تعود.
ومن أراد البركة، فليُحسن صحبة وقته، وليجعل كل يوم أقرب إلى الله، وكل ساعة أكثر نفعًا، وكل دقيقة شاهدة له لا عليه.